الحلقة المفقودة في مقاربة التطرف: الحركة الإسلامية السودانية - جريدة آخر الأخبار

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الحلقة المفقودة في مقاربة التطرف: الحركة الإسلامية السودانية - جريدة آخر الأخبار, اليوم الجمعة 16 يناير 2026 10:13 صباحاً


في سياق التحولات الجارية في مقاربة ملف التطرف، جاء القرار الأميركي الأخير ليعكس توجّهاً جديداً في قراءة مصادر التهديد للأمن الإقليمي. لكن هذا التوجه، على الرغم من دلالاته السياسية، بدا منقوصاً بفعل إغفاله الفرع الأكثر تجربة وخطورة في داخل التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين.

فهذا الفرع لم يكتفِ بالعمل السياسي، بل حكم دولة بكامل مؤسساتها لثلاثة عقود: الحركة الإسلامية السودانية.

إن تجاوز هذا الفرع في قوائم التصنيف لا يمثل مجرّد ثغرة إجرائية، بل هو غضّ طرف عن تنظيم امتلك ما لم تملكه الفروع الأخرى: الدولة، والموارد، والسلاح.

تكمن خطورة الحركة الإسلامية في السودان بكونها النسخة الوحيدة من "الإخوان"، التي نجحت في السيطرة المطلقة على مفاصل دولة في كلّ التاريخ الحديث، ولمدّة ثلاثين عاماً. وقد تحقق ذلك عبر انقلابها العسكري بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير في يونيو 1989، واستمرّ حتى أبريل 2019.

لم تكن حركة إخوان السودان مجرّد جماعة دعوية أو حزب سياسي، بل تحوّلت إلى دولة في داخل الدولة. سخّرت موارد السودان وثرواته لبناء إمبراطورية مالية وعسكرية عابرة للحدود.

خلال تلك السنوات، تحولت الخرطوم إلى ملاذ آمن للجماعات المتطرفة. كما جرى تصدير مشروع "العنف المقدس" إلى الجوار الإقليمي، الأمر الذي زعزع استقرار القارة الأفريقية والمنطقة.

إن القراءة المتأنية للمشهد السوداني الراهن تؤكد أن الحركة الإسلامية هي المهندس الفعلي للحرب المدمرة الدائرة الآن.
فبعد أن لفظ الشعب السوداني هذا التنظيم في ثورة ديسمبر المجيدة، سعت الجماعة، عبر كوادرها المنغرسة في الأجهزة الأمنية والعسكرية، إلى تقويض مسار الانتقال الديمقراطي.

واليوم، تقف الحركة كحجر عثرة أمام أي جهود دولية لوقف إطلاق النار. وهي تدرك أن السلام والاستقرار والمسار الديمقراطي يعني نهايتها السياسية والقانونية.

لذا، فإن استمرار الحرب يمثل طوق النجاة الوحيد لها، حتى وإن كان الثمن هو تمزيق نسيج الدولة السودانية.

إن تصنيف الحركة الإسلامية السودانية كجماعة إرهابية لا يمثل إجراءً عقابياً فحسب، بل يشكّل ضرورة استراتيجية متعددة الأبعاد.

فعلى الصعيد الداخلي، يشكل هذا التصنيف انتصاراً أخلاقياً للشعب السوداني الذي عانى من القمع والنهب المنظم، كما يسهم في تجفيف منابع تمويل الكتائب والمليشيات التابعة للنظام البائد، الأمر الذي من شأنه إضعاف آلة الحرب وفتح الطريق أمام استعادة المسار المدني للثورة.

على المستوى الديمقراطي، لا يمكن تصور بناء دولة حديثة في ظل وجود تنظيم يؤمن بمنهج "التمكين"، ويتخذ العنف وسيلة للوصول إلى السلطة، إذ يتيح التصنيف عزل القوى المعرقلة، ويمنح القوى المدنية الحقيقية فرصة صياغة عقد اجتماعي جديد، بعيداً عن إيديولوجيا الإقصاء.

أما إقليمياً ودولياً، فإن تحجيم هذا التنظيم يعني إغلاق غرفة عمليات ظلت لعقود تشرف على تصدير العنف والاضطراب إلى دول الجوار، كما يعزز أمن البحر الأحمر والساحل الأفريقي، ويحدّ من التهديدات العابرة للحدود.

إن المجتمع الدولي، وهو يراقب المأساة الإنسانية المتفاقمة في السودان، مطالب اليوم بتبني مقاربة أكثر واقعية وحزماً. فلا يمكن الحديث عن سلام دائم أو تسوية سياسية قابلة للحياة من دون معالجة جذور الأزمة.

إن تصنيف الحركة الإسلامية السودانية جماعة إرهابية خطوة تأخرت كثيراً، لكنها تظل ضرورية لكسر حلقة العنف، وحماية تطلعات السودانيين في الحرية والعدالة، وتأمين الإقليم من خطر تنظيم أثبتت التجارب أنه لا يتعايش إلا في مناخات الفوضى والحرائق.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق