"لأنّ الثّقافةَ حياةٌ"... وعيُ الإنسانِ في زمنِ الضّجيجِ الرّقميّ مرشدٌ للوعيِ في عصرِ الشّاشات - جريدة آخر الأخبار

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"لأنّ الثّقافةَ حياةٌ"... وعيُ الإنسانِ في زمنِ الضّجيجِ الرّقميّ مرشدٌ للوعيِ في عصرِ الشّاشات - جريدة آخر الأخبار, اليوم الأربعاء 28 يناير 2026 07:27 مساءً

فاروق غانم خدّاج
كاتبٌ لبنانيٌّ وباحثٌ في الأدبِ والفكرِ الإنسانيّ

"الثّقافةُ نَبضٌ، لا مجرّدُ كلماتٍ."
صدرتِ الطّبعةُ الأولى لكتابِ «لأنّ الثّقافةَ حياةٌ؛ أبحاثٌ ونصوصٌ» للشّيخ وسام سليقا عن دار الأنام للطّباعة والنّشر عامَ 2025، ويضمُّ نحوَ مئتي صفحةٍ من التّحليلِ الفكريِّ العميقِ، الّذي يزاوجُ بين الوعيِ الفلسفيِّ والهمِّ الإنسانيِّ اليوميِّ. وقد كتبَ مقدّمةَ الكتابِ سماحةُ الشّيخ سامي أبي المنى، شيخُ عقلِ طائفةِ الموحّدينَ الدّروزِ، فيما يشغلُ الشّيخ وسام سليقا حاليًّا رئاسةَ اللّجنةِ الثّقافيّةِ في المجلسِ المذهبيّ لطائفةِ الموحّدينَ الدّروزِ، ما يمنحُ هذا العملَ بُعدًا رمزيًّا إضافيًّا، يعكسُ عمقَ العلاقةِ بين الثّقافةِ والهويّةِ اللّبنانيّةِ، وبين الفكرِ والمسؤوليّةِ العامّةِ.

شهدَ الكتابُ توقيعًا أوّلا في الفرديس – حاصبيا، ثمّ توقيعًا ثانيًا في المكتبةِ الوطنيّةِ في بعقلين، لتتحوّلَ هذه المحطّاتُ إلى رسالةٍ صامتةٍ، عميقةِ الدّلالةِ، تقولُ إنّ الثّقافةَ ليست ورقًا جامدًا ولا ترفًا نخبويًّا، بل حياةٌ تتنفّسُ بين النّاسِ، وتشقُّ طريقَها بهدوءٍ، وتزرعُ بذورَ الوعيِ في النّفوسِ والعقولِ.

ينطلقُ الشّيخ وسام سليقا من فهمٍ للثّقافةِ بوصفِها مساحةً عقليّةً حيّةً، لا كمخزونٍ معلوماتيٍّ، بل كفعلٍ يوميٍّ واعٍ، يحوّلُها إلى أداةِ مقاومةٍ في وجهِ ما يمكنُ تسميتُه بـ«الوعيِ الزّائفِ» الّذي يزرعُه الضّجيجُ الرّقميُّ المتسارعُ، ويحوّلُ الإنسانَ من كائنٍ فاعلٍ إلى متلقٍّ خامِلٍ. ففي عالمِ منصّاتِ التّواصلِ، حيثُ تتدفّقُ الصّورُ والأفكارُ بلا توقّفٍ، يصبحُ العقلُ النّقديُّ نَبضَ الحياةِ الحقيقيَّ، القادرَ على إعادةِ الإنسانِ إلى حرّيّتِه الدّاخليّةِ، وإلى اختيارِه الواعي، وإلى إحساسِه بالمسؤوليّةِ تجاهَ ذاتِه والآخرينَ. من هنا، يشكّلُ الكتابُ نقطةَ التقاءٍ لافتةً بين الواقعِ المعاصرِ، والنّقدِ الإيديولوجيِّ، والثّقافةِ المقاوِمةِ، في نقاشٍ يتجاوزُ النّخبةَ ليطالَ كلَّ قارئٍ يسعى للخروجِ من السّطحيّةِ والفوضى الفكريّةِ.

ويغوصُ الكتابُ بعمقٍ في النّفسِ البشريّةِ، مستعرضًا الصّراعَ الدّاخليَّ الدّائمَ بين نزواتِ «الهو» الباحثةِ عن المتعةِ الفوريّةِ، والمنجذبةِ إلى التّمريرِ السّريعِ والاستهلاكِ اللّحظيِّ، وبين «الأنا العليا» المثاليّةِ، و*«الأنا العقلانيّةِ»* الّتي تمنحُ الإنسانَ مساحةً للتّفكيرِ، والتّأمّلِ، والمراجعةِ. هنا، لا تعودُ الثّقافةُ فكرةً نظريّةً، بل تتحوّلُ إلى تجربةِ توازنٍ يوميّةٍ، تعانقُ الذّاتَ وتعيدُ إليها شعورَ السّيطرةِ والانسجامِ. هذا الصّراعُ النّفسيُّ ليس مجرّدَ إطارٍ تحليليٍّ، بل واقعٌ نعيشه جميعًا بين رغباتِنا العاجلةِ واحتياجاتِنا العميقةِ، بين صخبِ العالمِ الخارجيِّ وصوتِ القلبِ الصّادقِ، وبين فيضِ الشّاشاتِ وحاجةِ الرّوحِ إلى المعنى.

ويمكنُ قراءةُ الكتابِ أيضًا كنصٍّ أدبيٍّ رمزيٍّ، يحملُ أبعادًا نفسيّةً واجتماعيّةً عميقةً، ويعكسُ حلمًا جماعيًّا بإعادةِ بناءِ معنى متماسكٍ في زمنِ التّشظّي الثّقافيِّ والاجتماعيِّ. إنّه رفيقٌ هادئٌ يمسكُ بيدِ القارئِ، لا ليعزلَه عن العالمِ، بل ليعينَه على اجتيازِ صخبِه، والعبورِ من السّطحِ إلى العمقِ، ومن الاستهلاكِ إلى التّأمّلِ، ومن الضّجيجِ إلى الصّمتِ البنّاء. عندها، تصبحُ توقيعاتُ الكتابِ في الفرديس والمكتبة الوطنيّة أكثرَ من حدثٍ ثقافيٍّ عابرٍ؛ تتحوّلُ إلى علامةٍ على انتقالِ الوعيِ من المحلّيِّ إلى الوطنيِّ، وبذورِ ثقافةٍ مقاومةٍ تنتقلُ من عقلٍ إلى عقلٍ، ومن قلبٍ إلى قلبٍ، لتذكّرَنا بأنّ الوعيَ خيارٌ حياتيٌّ حقيقيٌّ، ودرعٌ في مواجهةِ الزّيفِ، وفعلٌ يوميٌّ يتركُ أثرَه في الفردِ والمجتمعِ معًا.

في كلِّ صفحةٍ، يهمسُ الشّيخ وسام سليقا للقارئِ: «اخترِ الثّقافةَ، فهي نَبضُك»، مؤكّدًا أنّ الوعيَ ليس حالةً عابرةً، بل خيارٌ وجوديٌّ فعّالٌ، وأداةٌ لحمايةِ الإنسانِ في عالمٍ متسارعٍ ومشحونٍ بالسّطحيّةِ. وكما يقولُ: «الثّقافةُ نَبضٌ، لا مجرّدُ كلماتٍ». ويأتي أسلوبُ الكتابِ سلسًا ودافئًا، يحملُ الفكرَ العميقَ إلى القلبِ قبلَ العقلِ، ويجعلُ من القراءةِ تجربةً إنسانيّةً غنيّةً، أقربَ إلى حوارٍ داخليٍّ مع مفكّرٍ يقودُ القارئَ من ضبابيّةِ العالمِ إلى فسحةِ الوعيِ، حيثُ تتجدّدُ القدرةُ على التّفكيرِ، والاختيارِ، والإحساسِ الحقيقيِّ بالوجودِ.

شخصيًّا، أرى أنّ «لأنّ الثّقافةَ حياةٌ» ليس مجرّدَ كتابٍ ثقافيٍّ، بل مرشدٌ للحياةِ اليوميّةِ. إنّه دعوةٌ صادقةٌ لإعادةِ ترتيبِ علاقتِنا بالمعرفةِ، وبأنفسِنا، وبالآخرينَ، وتحويلِ الثّقافةِ من فعلِ قراءةٍ إلى ممارسةٍ وجوديّةٍ تعانقُ العقلَ والرّوحَ معًا. يذكّرُنا الشّيخ وسام سليقا أنّ الثّقافةَ ليست ما نملكه من معلوماتٍ، بل ما نختاره أن نكونَه في صميمِ حياتِنا، وأنّ الحفاظَ عليها يتطلّبُ يقظةً مستمرّةً، وفكرًا حرًّا، وعقلًا ناقدًا، وقلبًا واعيًا.

ويأتي الختامُ بطابعٍ شعريٍّ يتركُ صدىً وجدانيًّا عميقًا: في حضنِ هذا الكتابِ، يهمسُ إلينا المعنى قائلًا: «كونوا واعينَ، صادقينَ، فهنا تكونونَ في أبهى نسخِكم». هكذا، لا يعودُ النّصُّ كلماتٍ على صفحاتٍ، بل فعلَ حياةٍ يصنعُ الوجودَ بجمالٍ، وعناقًا صريحًا بين العقلِ والرّوحِ، ورسالةً مفتوحةً لكلِّ قارئٍ ليكونَ الإنسانَ الواعيَ الّذي يختارُ وعيَه، ويعيشُ وجودَه بصدقٍ وجمالٍ.
وفي زمنِ السّرعةِ والاختزالِ، تصبحُ الثّقافةُ شجاعةً، ويصبحُ الوعيُ قرارَ حياةٍ حقيقيًّا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق