نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
انفجار الداخل الإيراني… زلزال في الاقتصاد العالمي أم فرصة لإعادة ضبط الأسواق؟ - جريدة آخر الأخبار, اليوم الجمعة 16 يناير 2026 06:23 صباحاً
لا يمكن النظر إلى أي اضطراب واسع داخل إيران بوصفه شأناً داخلياً صرفاً، فالدولة التي تحتل موقعاً مركزياً على خريطة الطاقة العالمية وعلى أحد أخطر الممرات البحرية في العالم، تمتلك قدرة استثنائية على تصدير أزماتها إلى الخارج. وإذا ما أدّت الاحتجاجات المتصاعدة إلى تغيير في بنية الحكم أو، في السيناريو الأسوأ، إلى فوضى ممتدة، ستتجاوز تداعيات ذلك السياسة إلى قلب الاقتصاد العالمي، من أسعار النفط والغاز، مروراً بالتضخم، وصولاً إلى الاستقرار المالي والنمو.
المفتاح الأول لفهم هذه التداعيات هو الجغرافيا. تطل إيران على مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، إضافة إلى قرابة خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. هذا الواقع يجعل أي توتر سياسي أو أمني في الداخل الإيراني كافياً لرفع علاوة المخاطر الجيوسياسية فوراً في الأسواق، حتى من دون أن تتأثر الإمدادات فعلياً. فالأسواق، بطبيعتها، تسعّر الاحتمالات لا الوقائع وحدها.
في حال قاد الحراك الشعبي إلى تغيير منضبط في السلطة مع بقاء مؤسسات الدولة الأساسية عاملة، يمكن للاقتصاد العالمي أن يشهد صدمة قريبة الأجل يعقبها مسار تصحيحي إيجابي. في الأيام والأسابيع الأولى، ستقفز أسعار النفط والغاز نتيجة عدم اليقين، وترتفع تكاليف الشحن والتأمين، ويزداد نفور المستثمرين من المخاطر. لكن ما إن تتضح معالم السلطة الجديدة وتُفتَح نافذة تفاوض حقيقية مع الغرب، حتى تبدأ معادلة مغايرة بالظهور: تخفيف العقوبات أو رفعها، وعودة تدريجية للنفط الإيراني إلى الأسواق الشرعية، وانخفاض المخاطر المرتبطة بالملاحة في الخليج.
في هذا السيناريو، قد يتحول التغيير السياسي في طهران إلى عامل انضباط للأسعار العالمية لا إلى محرك تضخم. فزيادة المعروض النفطي، حتى وإن كانت محدودة، كفيلة بتخفيف الضغوط على الأسعار، ولاسيما إذا ترافقت مع تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية. غير أن هذا المسار سيضع تحديات جديدة أمام منظمة "أوبك" وحلفائها، إذ سيُعَاد توزيع أعباء ضبط السوق بين المنتجين، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الميزانيات العامة لبعض الدول المصدّرة.
لكن الوجه الآخر للعملة أكثر قتامة. إذا انزلقت إيران إلى فوضى ممتدة، أو إلى نزاع داخلي يُضعِف قدرة الدولة على السيطرة على أراضيها وموانئها، سيجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام صدمة مزدوجة: صدمة إمدادات وصدمة ثقة. سيقود أي تعطّل كبير في صادرات النفط الإيرانية، أو حتى مجرد تهديد جدي للملاحة في مضيق هرمز، إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مع ما يستتبعه ذلك من موجة تضخم عالمية جديدة في وقت لا تزال فيه الاقتصادات الكبرى تحاول احتواء آثار أزمات سابقة.
الخطر الأكبر في هذا السيناريو يكمن في سوق الغاز الطبيعي المسال. تعتمد دول آسيا وأوروبا في شكل متزايد على شحنات الغاز العابرة للخليج، وأي خلل في هذا المسار قد يشعل منافسة حادة على الإمدادات المتاحة، ويرفع تكاليف الكهرباء والصناعة، ويضغط على النمو. عندها، ستجد المصارف المركزية نفسها أمام معضلة مألوفة: تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم، أو التساهل تفادياً لضبط النشاط الاقتصادي، وكل خيار يحمل كلفة عالية.
ولا تقتصر التداعيات على الطاقة وحدها. ستنعكس الفوضى في إيران فوراً على أسواق المال، عبر ارتفاع الدولار، واتساع فروق العائد على ديون الدول الناشئة، وتراجع شهية المستثمرين للمخاطر. كذلك ستدفع دول المنطقة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي والأمني، على حساب الاستثمار والتنمية، ما يعني أثراً سلبياً بعيد الأجل في النمو الإقليمي، حتى لدى الدول المستفيدة مؤقتاً من ارتفاع أسعار النفط.
في المحصلة، لا تكمن خطورة الاحتجاجات الإيرانية في احتمال تغيير نظام بآخر، بل في المسار الذي قد يسلكه هذا التغيير. قد يمنح انتقال منضبط الاقتصاد العالمي متنفساً غير متوقع عبر خفض المخاطر وتعزيز الإمدادات، أما الانزلاق إلى الفوضى، فهو وصفة جاهزة لعودة شبح التضخم العالمي، وارتفاع احتمالات الركود، وفتح فصل جديد من عدم اليقين في نظام اقتصادي دولي لم يتعافَ بعد من صدماته المتلاحقة. هنا، تصبح إيران، مرة أخرى، مركز ثقل لا يمكن للعالم تجاهله.







0 تعليق