"النهار" ترصد معاناة رأس شلال العوجا… أكبر تجمّع بدوي في الضفة يُباد بلا قصف - جريدة آخر الأخبار

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"النهار" ترصد معاناة رأس شلال العوجا… أكبر تجمّع بدوي في الضفة يُباد بلا قصف - جريدة آخر الأخبار, اليوم الجمعة 16 يناير 2026 07:13 صباحاً

ما إن تصل إلى تجمع رأس شلال العوجا، الذي يبعد 12 كيلومتراً عن مدينة أريحا، حتى تشعر بالمرارة والظلم والاضطهاد الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية، فالمستوطنون الذين سلحتهم وأطلقت العنان لهم يمارسون أبشع أنواع التهجير القسري ضد الفلسطينيين هناك.

على مسمع ومرأى العالم الذي تركهم يواجهون مصيرهم، يقوم سكان التجمع حالياً بتفكيك مساكنهم البسيطة من خيم و"بركسات" - وهي عبارة عن غرف مصنوعة من ألواح الصفيح تُستخدم للسكن ولتربية المواشي - ويحمّلون مقتنياتهم بواسطة شاحنات صغيرة، كما أن الأحوال الجوية الماطرة والباردة زادت من معاناتهم، وزاد تراكم الطين والوحل من تعقيد حركتهم.

أحد الذين كانوا يستعدون للرحيل كان أحمد الرشايدة، الذي زرناه قبل ثلاثة أشهر. وقد أنهى اليوم تفكيك مسكنه لنقل عائلته المؤلفة من 17 فرداً. يقول وهو يحبس دموعه: "صوّري، بس أنا مش قادر أحكي".

أحمد كان قد شرح لـ"النهار" كيف حاصره المستوطنون الذين استولوا على أراضٍ تبعد بضع مئات من الأمتار عن منزله، وكيف لاحقوه وصوّروا سيارته ولوحاتها، وتحرشوا بأبنائه يومياً، وسرقوا نحو ألف رأس من الماشية، ومنعوه من زراعة القمح والشعير.

 


الاعتداءات بدأت قبل الحرب بسنوات، عندما حاول المستوطنون دهس أبناء أحمد ومنعوا عائلته من رعي الماشية في المراعي الطبيعية ما اضطره إلى إطعامها مرات عدة يومياً بدلاً من رعيها في الخلاء، ما ضاعف التكاليف في ظل أزمة مالية خانقة. أكثر من ذلك، قام المستوطنون بسرقة الماشية، وسرقوا أيضاً المياه وألواح الطاقة الشمسية والمحوّلات الكهربائية.

 

تصاعد وتيرة الاعتداءات

"آخر عامين مرّا علينا كأنهما مئة عام"، جملة تسمع الأهالي يرددونها. بهذه الكلمات وصفت كفاح معاناتها مع أطفالها الستة، بينما كان زوجها يفكك مسكنهم. طلبت منا ماءً بعدما قطع فتيان التلال، المنتشرون بين المساكن والخيم، عنها الماء والكهرباء.


وبينما كانت تحاول أن تواسي نفسها، سألتني: هل تعتقدين أن التظاهرة يوم الجمعة من الممكن أن تمنع تهجيرنا؟ لم أعرف بماذا أجيبها، فقلت: إن شاء الله. لم أرد تحطيم معنوياتها فاكتفيت بهذه الإجابة.

خلال وجودنا في التجمع، وصلت وفود ديبلوماسية بلجيكية وبريطانية وممثلون عن الاتحاد الأوروبي للاطلاع عن كثب على ممارسات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، التي أجبرت حتى الآن نحو 60% من أهالي شلال العوجا على ترك مساكنهم والرحيل.

لم يطلب السكان منهم شيئاً أكثر من إيقاف هجمات ميليشيات المستوطنين حتى يتمكنوا من العيش بهدوء، وإيصال أصواتهم إلى العالم بأنهم يُهجَّرون من أرضهم.


ويُذكر أنه لم يرافق الوفد خلال الزيارة أي مسؤول فلسطيني، إذ تمنع السلطات الإسرائيلية دخول المسؤولين الفلسطينيين إلى المنطقة "سي".

 

تحولت الخيم إلى مساكن للطيور. (النهار)

تحولت الخيم إلى مساكن للطيور. (النهار)

 

تهجير قسري ممنهج

خلال الانتقال من طرف إلى آخر داخل تجمع رأس شلال العوجا، لا تسمع إلا صوت أحمد قعبور يغني كلمات حسن ضاهر: "ارحل قالوا لي، جند أتوا من بعيد قالوا ارحل". وحدها هذه الكلمات تصف هول المشهد لتشعرك بحجم المأساة.

نايف زايد، مزارع يربي المواشي، يقول لـ"النهار": "نشعر بالإحباط، والمعنويات في أدنى مستوياتها. أقوم أنا وابني أيوب (14 عاماً)، بالتناوب والسهر ليلاً لحراسة المنزل وما تبقى من ماشية خوفاً من تسلل المستوطنين وقتلها أو سرقتها".


ويضيف: "الناس أنهكوا تماماً واضطروا للرحيل، فقد ضُيّقت عليهم كل سبل العيش، من قطع الكهرباء والمياه، إلى الهجمات والاعتداءات علينا في خيمنا ومساكننا. وخلال الأسبوعين الماضيين غادر أكثر من نصف عائلات التجمع".

ويلفت نايف إلى أن عائلته المؤلفة من عشرة أفراد بدأت التحضير لساعة الصفر: "إذا استمر الوضع على هذا النحو سنضطر للرحيل جميعاً، فالبؤر الاستيطانية تمتد تدريجياً باتجاه تجمعنا، والمستوطنون يحظون بدعم كامل للتوسع وفرض سيطرتهم على الأرض".

بدوره، يوضح الناشط فرحان غوانمة (43 عاماً)، وهو أستاذ للغة العربية، أنه لاجئ هُجّرت عائلته خلال النكبة عام 1948 من بئر السبع، واستقر أجداده في شلال العوجا، ولا يملك مكاناً آخر للرحيل، وأن عائلته لن تجد أرضاً للإقامة بعد مغادرتها التجمع.


يقول فرحان لـ"النهار" إن البؤر الاستيطانية "عومير" و"إيطاف" و"مفئوت أريحا" حاصرت التجمع، وتوسّعت لتصل إلى أطراف المنازل، كما أقاموا أربع بؤر زراعية، ومنعوا الأهالي من حراثة أراضيهم وإطعام مواشيهم في الحقول القريبة.


ويضيف أن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش زار المنطقة في نهاية العام الماضي، وقدم للمستوطنين دعماً غير محدود، ووصف أعمالهم بـ"البطولية"، وتمت مكافأتهم بألف رأس من الغنم ونحو 40 جملاً، يرعاها فتيان التلال بين المساكن.


ويتابع فرحان: "رحل السكان باتجاه أريحا والجفتلك حتى وصلوا إلى مدينة الظاهرية جنوب الخليل، وهناك من ترك مواشيه مع أقارب في تجمعات قريبة. كنا قد طالبنا بلجان حراسة لحماية التجمع، لكن لم تلقَ هذه الطلبات الاستجابة المطلوبة، فقام المستوطنون باقتحام المنازل وسرقوا المواشي وهددوا الأهالي وأرعبوهم، فاضطروا للرحيل".


ويُذكر أن المستوطنين استولوا على أراضٍ محاذية للتجمع وفرضوا سيطرتهم بالقوة، وبلغت هذه الاعتداءات ذروتها في كانون الأول/ديسمبر الماضي، بعد حراثة ما يقارب 100 دونم من الأراضي أمام المساكن، كانت أحد مصادر رزقهم، كما قاموا بتخريب الطريق الترابي الوحيد وقطع التيار الكهربائي لشلّ مقومات الحياة ودفع السكان إلى الرحيل.


خلال أيام قليلة سيرحل أهالي التجمع، وسيتم الاستيلاء على ما تبقى من أراضي شلال العوجا وتحويلها إلى أراضٍ إسرائيلية بالكامل، كما حدث في مناطق أخرى في الأغوار التي يجري العمل على ضمها، وعلى حساب الوجود الفلسطيني يتم تشجيع الاستيطان الرعوي واستخدامه أداة لفرض التهجير القسري وتوسيع السيطرة الاستعمارية، ضمن سياسة أوسع تهدف إلى تغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية وإحلال المستوطنين مكان الفلسطينيين، السكان الأصليين.

 

البؤرة الاستيطانية إيطاف. (النهار)

البؤرة الاستيطانية إيطاف. (النهار)

 

ويُعد رأس شلال العوجا من أقدم التجمعات وأكبرها في الضفة الغربية. كانت تقطنه 121 عائلة، أي نحو 800 فلسطيني. استقر فيه البدو الفلسطينيون في أواخر سبعينيات القرن الماضي لتمتع أراضيه بوفرة المياه وامتدادها لمساحات واسعة.


وبحسب معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن المستوطنين هجّروا 16 تجمعاً بدوياً خلال العام الماضي، وسُجل نحو 4723 اعتداء من المستوطنين على أهالي الضفة الغربية، أدت إلى مقتل 16 فلسطينياً، فيما هُجّر 65 تجمعاً بدوياً آخر خلال العامين الماضيين بدعم كامل من الحكومة الإسرائيلية.


بدوره، أشار المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في بيان له إلى أنه "في 8 كانون الثاني/ يناير اضطرت 20 عائلة من عائلات العمارين، تضم 129 فرداً، منهم 50 طفلاً و25 امرأة، إلى تفكيك مساكنها البدائية والرحيل قسراً، بعد سلسلة متواصلة من الاعتداءات والتهديدات المباشرة من المستوطنين التي طالت أفرادها ومصادر رزقهم، في ظل غياب أي شكل من أشكال الحماية".


إن ما حدث يشكل جريمة تهجير قسري محظورة بموجب أحكام القانون الدولي الإنساني، ولا سيما المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر النقل القسري الفردي أو الجماعي للسكان المدنيين في الأراضي المحتلة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق