الدوائر المتداخلة... قوّة خفيّة وراء صلابة النظام في إيران - جريدة آخر الأخبار

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الدوائر المتداخلة... قوّة خفيّة وراء صلابة النظام في إيران - جريدة آخر الأخبار, اليوم الجمعة 16 يناير 2026 06:23 صباحاً

لماذا لا يسقط نظام ولاية الفقيه في إيران كما سقط نظام الشاه في عام 1979؟ سؤال يثير حيرة سياسية عميقة. فالثورة ليست مستحيلة، لكن لحظتها التاريخية لم تنضج بعد، ما لم تتدخل عوامل خارجية قادرة على صناعة لحظة انفجار، أو ترجيح كفة قوة سياسية على أخرى داخل المجتمع الإيراني.

إن سقوط الشاه محمد رضا بهلوي لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل جاء نتيجة تحولات متراكمة بدأت منذ الثورة البلشفية في روسيا في عام 1917، التي أسهمت في نشوء الأحزاب اليسارية والتنظيمات العمالية، وارتفاع الوعي السياسي، ورفض الامتيازات الأجنبية، وصولاً إلى حركة التأميم. وأدّت التغيّرات الاجتماعية التي أعقبت زيارة والده رضا شاه لتركيا في عام 1934، ومحاولته نقل تجربة أتاتورك العلمانية، إلى صدمة داخل مجتمع محافظ.

لكن على غرار أتاتورك العسكري في تركيا، كانت الدولة البهلوية مطلباً قومياً وبديلاً أمام ضعف الحكومة القاجارية في حماية وحدة الأراضي الإيرانية عقب الحرب العالمية الثانية، وتأثير السوفيات على القوميات الانفصالية، مثل تأسيس جمهورية أذربيجان الشعبية، وأيضاً جمهورية كردستان، ما جعل الإيرانيين يمنحون الرجل العسكري رضا قلي خان العرش والمُلك.

أيضاً، كانت الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله الخميني بديلاً للعرش الملكي، ومطلباً أمام القوى الاستعمارية التي أطاحت حكومة مصدّق التأميمية، وتلبيةً لمطلب التحول إلى النظام الجمهوري أي التغيير السياسي ومن ثم الاجتماعي والاقتصادي، وحاجةً أمام المخاوف من تجربة تركيا العلمانية الأصولية والصهيونية في إسرائيل.

خلافاً لنظام الشاه الذي تركزت سلطته وحاشيته عند قمة الهرم، وضع نظامُ ولايةِ الفقيهِ المرشدَ الأعلى في قمة هرم السلطة، مستمداً قوته من قاعدة شعبية احتفظت بولائها نسبياً عبر مزيج معقد من الشرعية الدينية والشبكات الاجتماعية والاقتصادية وآليات التعبئة. وقد تحقق ذلك من خلال مؤسسات التعليم الديني والحرس الثوري وقوات التعبئة والمؤسسات الخدمية والخيرية. 

كذلك نجح النظام في الاقتراب أكثر عبر إحيائه للتراث الشعبي وفلكلور القوميات الإيرانية، على عكس عهد الشاه الذي ركّز على الثقافة الغربية رغم دعواته لإحياء القومية الفارسية.

أمام هذه القاعدة، أطّرَ النظام نفسه على أنه خط الدفاع الأخير عن إيران، مستغلاً سردية الخطر الدائم الآتي من الولايات المتحدة وإسرائيل والمؤامرة الغربية والعقوبات، ما خلق حالة من الالتفاف حول العَلم، إذ يرفض البعض سياساته الداخلية والخارجية، لكنه في الوقت نفسه رفض إسقاط النظام بسبب التهديد الخارجي. وكلما تصاعد الضغط الخارجي، أعاد النظام تأطير نفسه بوصفه خط الدفاع الأخير للبلاد.

ولا تزال المعارضة الانفصالية المسلحة جزءاً من هواجس القاعدة المجتمعية، إذ تخلق عملياتها الإرهابية ألماً في ذاكرة الإيرانيين، بجانب رفض تلك القاعدة لأنصار عودة المَلكية وللشباب الفوضوي الملحد والعلماني الذي يرى في الإسلام رمزاً للرجعية. فإن كان هناك شباب اعتنق الزرادشتية بوصفها ديانة قومية قديمة ونكايةً بالسلطة الحاكمة، فإنّ هؤلاء لا يمثلون القاعدة، بل هم نتاج حالة رفض للواقع الذي تعيشه إيران.

إن طبيعة النظام في إيران تعمل كدوائر متداخلة: خارجية تشمل الحكومة والبرلمان والرئاسة والانتخابات، وتدير الشأن اليومي وتخاطب الداخل والخارج بهامش قرار محدود، ودائرة داخلية تضمّ المرشد الأعلى والحرس الثوري والأجهزة الأمنية ومؤسسات صنع القرار، وهي تحدّد الخطوط الحمراء وتتحكم بالملفات السيادية الكبرى. وبين الدائرتين، توجد آليّات ترشيح وتصفية لضمان انسجام المسؤولين في الدائرة الخارجية مع مصالح الدائرة الداخلية، ما يجعل التغييرات السياسية شكلية غالباً، مع بقاء البنية الحقيقية ثابتة.

هذا البناء يسمح للنظام بالاحتواء من دون السقوط، والتفاوض من دون التنازل الجوهري، والظهور مرناً خارجياً وصلباً داخلياً. لكن هذا لا يعني أن إيران بعيدة عن فكرة الثورة، فما يجري حالياً يمثل جزءاً من مسار اجتماعي ممتدّ وتحوّلات في المزاج العام وتراكم لمطالب غير مستجابة، في ظلّ ميلاد أجيال جديدة تبحث عن رفاهية العيش وعيونها على التحولات الاقتصادية في الدول المحيطة بها.

أخيراً، انهيار مؤسسات الدولة إذا ما تعرّضت إيران لعدوان خارجي، أو إذا ما استمرت وطأة الاحتجاجات واتسعت قاعدتها، يُمكن أن يُربك النظام الإيراني فعلياً، وقد يؤدّي ذلك إلى انقلاب عسكري، إذا سعى الجيش إلى الحفاظ على سلامة الدولة ووحدتها. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق